أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

سرّ الجيل الذهبي الذي رفع اسم المغرب عالياً في كأس العالم للشباب الشيلي 2025

 


بصراحة، ما حدث مع المنتخب المغربي تحت عشرين سنة كان أشبه بحلمٍ جماعي تحقق أمام أعيننا. الغريب في الأمر أن هذا الفوز لم يفاجئني تماماً، بل شعرت وكأنه نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل الصامت والمتواصل. لقد كان وراءه جهد سنوات، بدأ من القاعدة وصعد تدريجياً حتى بلغ ذروته في المونديال. ما شدّني حقاً هو تلك الروح الجديدة التي تسكن اللاعبين، شغفهم، طموحهم، انضباطهم، وإيمانهم بأنهم قادرون على منافسة الكبار.

من ناحية أخرى، لا يمكن القول إن ما تحقق جاء بالصدفة. فالإنجازات لا تولد من الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة تصنعها، وإلى رؤية تجمع بين الشغف والتخطيط. وأنا كمغربي أتابع هذه التحولات عن قرب، أرى أن وراء هذا الفوز أسباباً كثيرة تداخلت، من الأكاديمية إلى المدربين، من الدعم الملكي إلى حب الشعب، ومن الانفتاح على أوروبا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي. كل هذه العناصر صنعت فريقاً مختلفاً، أكثر نضجاً وثقة بنفسه، وأقرب إلى الاحتراف العالمي.

أكاديمية محمد السادس... نواة الثورة الهادئة

من الصعب الحديث عن هذا الإنجاز دون أن نبدأ من هناك، من قلب أكاديمية محمد السادس لكرة القدم. هذه الأكاديمية لم تعد مجرد فضاء للتدريب، بل أصبحت مصنعاً حقيقياً للأبطال. المدهش أن نتائجها بدأت تظهر في أكثر من فئة عمرية، لكنّ منتخب تحت عشرين سنة كان أول من ترجم هذا المشروع إلى إنجاز عالمي.

لقد غيّرت الأكاديمية مفهوم اللاعب المغربي. لم يعد الشاب الذي يملك موهبة فقط، بل صار لاعباً مثقفاً كروياً، يعرف أهمية النظام والانضباط، يعيش داخل بيئة احترافية متكاملة. التدريب هناك لا يقتصر على المهارات الفنية، بل يشمل الجوانب الذهنية، التغذية، وحتى التواصل مع الإعلام. أحد المدربين الذين اشتغلوا في المشروع تحدث مرة عن أن الهدف لم يكن إعداد لاعبين فحسب، بل تكوين شخصيات متكاملة قادرة على تمثيل المغرب في أعلى المستويات.

ولأننا نعيش هذا الواقع، أصبح واضحاً لنا كيف أن البنية التحتية الجيدة تُغيّر مصير كرة القدم. الملعب الجيد، القاعات الحديثة، البرامج الدقيقة في التحليل البدني والفني، كلها عناصر جعلت اللاعب المغربي أكثر جاهزية، وأقرب إلى المستوى الأوروبي. بصراحة، حين تشاهد أداء هؤلاء الشباب، تشعر بأنهم أبناء مشروع حقيقي، وليسوا مجرد مواهب متفرقة.

تكوين المدربين وتطور الفكر الكروي

من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال الدور الكبير للمدربين المغاربة الذين قادوا هذا الجيل. المدرب محمد أوحبي مثلاً، يجسد تلك المدرسة الجديدة التي تجمع بين الانضباط الأوروبي والروح المغربية. في كل تصريح له كان يتحدث بثقة وهدوء، يذكّر لاعبيه بأن لا فريق لا يُقهر، وأن الفوز يبدأ من الإيمان بالذات قبل أي شيء آخر.

هذا الخطاب النفسي غيّر كثيراً من عقلية اللاعب الشاب. لم يعد يعتمد على المهارة الفردية وحدها، بل صار يفكر كجزء من مجموعة، يعرف واجباته التكتيكية، ويحترم التعليمات. في الماضي، كنا نرى بعض اللاعبين يضيعون بسبب غياب الانضباط، لكن اليوم الوضع مختلف. اللاعب صار يعرف أن اللعب للمنتخب ليس مجرد فرصة للظهور، بل مسؤولية وطنية.

بصراحة، أكثر ما يثير الإعجاب هو أن هؤلاء المدربين لا يعملون بطريقة تقليدية. هناك تبادل خبرات، استعمال للبيانات، ودراسة دقيقة للخصوم. كل هذا جعل المنتخب يلعب بثقة، وينافس منتخبات تملك إمكانيات أكبر. في كأس العالم الأخيرة، بدا واضحاً أن المغرب لا يقل مستوى عن أي فريق من أمريكا الجنوبية أو أوروبا، والسر في ذلك هو هذا التطور في الفكر الكروي الذي بدأ من المدربين قبل اللاعبين.

من تجارب الماضي إلى دفعة المستقبل

حين أتذكر ما حققته المنتخبات المغربية الشابة في السنوات الأخيرة، أفهم تماماً أن ما حدث لم يكن إلا امتداداً لمسار متصاعد. فمنتخب تحت 17 سنة الذي فاز بالبطولة الإفريقية، ومنتخب تحت 23 الذي تأهل إلى الأولمبياد، كلّهم مهّدوا الطريق لهذه اللحظة.

تلك الأجيال زرعت الثقة في نفوس الجيل الحالي. اللاعب الشاب حين يرى من سبقه يرفع الكؤوس، يشعر بأن الحلم ممكن، وأن المغرب لم يعد يلعب من أجل المشاركة فقط. هناك طموح واضح في أن يكون الحضور المغربي دائماً في المنصات الكبرى.

كما أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، حرصت على استمرارية العمل. تم توحيد طرق التدريب بين الفئات، بحيث يسهل الانتقال من منتخب إلى آخر دون فقدان الهوية. كل مدرب شاب اليوم يعرف أنه جزء من منظومة وطنية متكاملة، لا يعمل بمفرده. هذا التراكم جعل النجاح يبدو وكأنه نتيجة طبيعية، لكنه في الحقيقة ثمرة تخطيط طويل وصبر كبير.

الانفتاح على أوروبا... مدرسة أخرى داخل المنتخب

المدهش أن كثيراً من لاعبي هذا الجيل نشأوا في مدارس أوروبية، سواء في فرنسا أو إسبانيا أو هولندا، لكنهم اختاروا الدفاع عن ألوان المغرب. هذا الانفتاح على الكرة الأوروبية كان عاملاً حاسماً في بناء منتخب متكامل.

اللاعبون الذين تدرّبوا في الخارج جاؤوا بعقلية احترافية، يعرفون كيف يتعاملون مع الضغط، وكيف يقرؤون المباريات. وحين اندمجوا مع زملائهم الذين تكونوا داخل المغرب، وُلد خليط رائع يجمع بين المهارة المغربية والصرامة الأوروبية.

المدربون بدورهم استغلوا هذا التنوع بطريقة ذكية، فصار الفريق يلعب بتنظيم أوروبي لكن بروح إفريقية خالصة. ومن المدهش أيضاً أن بعض اللاعبين الذين كانت لهم عروض من منتخبات أوروبية فضّلوا تمثيل المغرب، لأنهم شعروا بأن المشروع المغربي اليوم يمنحهم قيمة ومعنى أكبر من مجرد عقد احترافي. هذا الشعور بالانتماء لم يأتِ من فراغ، بل من رؤية واضحة جعلت اللاعب يشعر بأنه جزء من قصة نجاح حقيقية.

الدعم الملكي وحب الشعب

الحديث عن هذا الإنجاز لا يكتمل دون ذكر الدعم الكبير الذي تلقاه المنتخب من أعلى المستويات. كل من عاش لحظة التتويج شعر بالفخر حين وجه الملك محمد السادس تهنئته إلى اللاعبين والطاقم التقني، وشكرهم على تمثيل المغرب بأفضل صورة. هذه الرسالة لم تكن بروتوكولية، بل كانت استمراراً لسياسة واضحة تضع الرياضة في قلب المشروع الوطني.

الدعم لم يكن معنوياً فقط، بل شمل تهيئة الملاعب، تمويل الأكاديميات، وتوفير رحلات ومعسكرات على أعلى مستوى. حين يرى اللاعب أن بلاده تؤمن به وتوفر له كل الوسائل، لا يستطيع إلا أن يعطي أقصى ما عنده.

أما الشعب المغربي، فحدّث ولا حرج. الشوارع امتلأت بالحماس والفخر، والمقاهي غصّت بالمشجعين الذين تابعوا كل دقيقة. كان إحساساً جميلاً أن ترى هذا الجيل يُعيد البسمة إلى وجوه الناس. هناك حب صادق لكرة القدم في هذا البلد، كأنه جزء من الهوية، وهذا الحب يمنح اللاعبين طاقة إضافية لا تُقدّر بثمن.

التكتيك والروح القتالية

من يتابع مباريات المنتخب في البطولة الأخيرة يلاحظ أن الفريق لم يعتمد فقط على المهارة، بل على تنظيم محكم وروح قتالية عالية. اللاعبون كانوا يعرفون ما يفعلونه في كل لحظة، يتحركون كوحدة واحدة، يدافعون ويهاجمون بنفس الانسجام.

هذه الروح لم تأتِ من فراغ، بل من عمل ذهني طويل. المدرب أوحبي كان يكرر دائماً أن الكرة الحديثة لا تعترف بالأسماء بل بالانضباط، وأن الفوز ليس صدفة بل نتيجة إيمان بالمجموعة. هذا ما جعلنا نرى منتخباً قادراً على الصمود أمام مدارس مختلفة، من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا.

بصراحة، حين ترى شاباً في التاسعة عشرة يقاتل على كل كرة وكأنه في نهائي كأس العالم للكبار، تدرك أن هناك شيئاً تغيّر. الروح الوطنية أصبحت حاضرة في كل لقطة، والانتماء للقميص بات واضحاً. هذا هو الفارق الحقيقي بين منتخب يشارك، ومنتخب يصنع التاريخ.

الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات

قد يبدو الأمر غريباً للبعض، لكن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من نجاح الكرة المغربية. الفرق التقنية باتت تستعمل التحليل الرقمي والبيانات في دراسة الخصوم وتقييم الأداء. كل تمريرة، كل تسديدة، كل حركة باتت تُحسب بدقة.

هذا التطور التقني ساعد المدربين على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وساعد اللاعبين على تحسين لياقتهم وتفادي الإصابات. المغرب لم يعد يعتمد على الحدس أو الاجتهاد الفردي، بل على منظومة علمية دقيقة.

من ناحية أخرى، هذا التوجه يثبت أن كرة القدم في المغرب تتطور عقلياً، لا بدنياً فقط. أصبح اللاعب واعياً بأهمية الأرقام، والمدرب يدير فريقه بعقلية مدير مشروع لا مدرب تقليدي. إنها ثورة هادئة لا يشعر بها الجميع، لكنها كانت وراء هذا النجاح الكبير.

الطموح، الشهرة، والمكافأة

لا يمكن إنكار أن الطموح الشخصي له دور مهم في دفع اللاعبين إلى التفوق. الجيل الحالي يدرك أن كرة القدم لم تعد مجرد هواية، بل مهنة وحياة ومستقبل. الشهرة، التقدير، والمكاسب المادية كلها عوامل تحفز، لكنها في هذا السياق لم تتحول إلى أنانية، بل إلى دافع جماعي.

اللاعبون يعيشون حلمهم الخاص، لكنهم يعيشون أيضاً حلم وطن بأكمله. كل تمريرة، كل هدف، كانت تحمل طموحاً شخصياً، لكنها أيضاً رسالة جماعية تقول إن المغرب قادر على المنافسة في أي مكان.

من الجميل أن ترى هذا التوازن بين الطموح الفردي والروح الجماعية. هذا ما جعل الفريق يظهر بتلك الطاقة الإيجابية التي أسرت العالم. النجاح في النهاية ليس صدفة، بل مزيج من الحلم والعمل، من الوطنية والطموح، من الواقعية والإيمان بالمستقبل.

صورة المغرب الجديدة في عيون العالم

بعد هذا الإنجاز، أحسست أن صورة المغرب في العالم تغيّرت فعلاً. لم يعد الناس يتحدثون عن المنتخب المغربي كفريق مفاجئ، بل كقوة صاعدة في كرة القدم الحديثة. لقد فرض الشباب المغاربة احترامهم على الجميع بأسلوب لعب منظم، وبتوازن بين المتعة والصرامة.

المحللون في القنوات الرياضية العالمية تحدّثوا بإعجاب عن الفريق المغربي، بعضهم وصفه بأنه "أكثر المنتخبات نضجاً تكتيكياً في البطولة"، وآخرون رأوا فيه مثالاً لكيف يمكن لبلد إفريقي أن ينافس الكبار دون أن يغيّر هويته. هذه الشهادات لم تكن مجاملة، بل كانت اعترافاً بواقع جديد تشكّل بصمت وإصرار.

من ناحية أخرى، لا يمكن أن نغفل الجانب الرمزي لما حدث. فحين ترى أعلام المغرب تُرفع في ملاعب تشيلي أو الأرجنتين، وتسمع النشيد الوطني هناك، تدرك أن كرة القدم أصبحت لغة للتعريف بالمغرب كدولة طموحة ومبدعة ومنفتحة على المستقبل.

كل هذا ينعكس إيجاباً على نظرة العالم إلينا، ليس في الرياضة فقط، بل حتى في الثقافة والاقتصاد والسياحة. لقد صار اسم المغرب مرتبطاً بالإنجاز والانضباط، وهذه سمعة لم تكن لتتحقق لولا هذا الجيل الذي أعاد تعريف معنى الاحتراف المغربي.

الجالية المغربية في الخارج... القلب الذي ينبض بعيداً

بصراحة، من الأمور التي تأثرت بها شخصياً وأنا أتابع البطولة هي مشاهد المغاربة في الخارج وهم يحتفلون بالفوز في باريس ومدريد وأمستردام وحتى مونتريال. تلك اللحظة التي ترى فيها العلم المغربي مرفوعاً وسط جماهير من كل الجنسيات تجعلك تشعر أن الانتماء أقوى من المسافة.

كثير من لاعبي المنتخب تحت عشرين سنة وُلدوا في أوروبا، لكنهم اختاروا اللعب للمغرب. وهذا القرار لم يكن سهلاً، لأنهم كانوا قادرين على تمثيل منتخبات كبرى، لكنهم فضّلوا حمل قميص الوطن الأم. أحد اللاعبين قال بعد المباراة النهائية إن اللعب للمغرب كان بالنسبة له “أكثر من شرف، كان التزاماً تجاه جذوره”.

هذه العلاقة بين الجالية والمنتخب أصبحت اليوم من أسرار القوة. هناك تواصل دائم بين الأكاديمية والمغاربة المقيمين بالخارج لاكتشاف المواهب في سن مبكرة. هذا الانفتاح جعل من المنتخب المغربي لوحة تجمع أبناء الداخل والخارج في وحدة واحدة، تُثبت أن الهوية ليست جغرافيا فقط، بل شعور وانتماء.

المدهش أن هؤلاء الشباب أصبحوا سفراء لبلدهم في أوروبا، ليس فقط في الملاعب، بل حتى في مدارسهم وأحيائهم. كل هدف يسجله أحدهم باسم المغرب يُعيد ربط الجسور بين الأجيال، ويذكّرهم بأن الوطن الأم لا ينسى أبناءه مهما ابتعدوا.

ما وراء الكأس... الرهان على الاستمرارية

الإنجاز في حد ذاته جميل، لكن الأصعب هو الاستمرارية. هذا ما يفكر فيه الجميع الآن: كيف نحافظ على هذا الزخم؟ كيف نضمن ألا يكون الفوز مجرد لحظة عابرة؟

من ناحية شخصية، أرى أن التحدي الأكبر هو الانتقال السلس من الفئات السنية إلى المنتخب الأول. يجب ألا تضيع هذه المواهب كما حدث في الماضي، حين تألق لاعبون شباب ثم اختفوا مع الوقت. الحل هو المتابعة الدقيقة، إدماجهم تدريجياً في أندية الكبار، ومنحهم الثقة والدعم اللازمين.

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بدأت فعلاً في هذا الاتجاه، بوضع خطط تواصل بين مدربي الفئات الصغرى والكبار. المدرب وليد الركراكي تابع البطولة عن قرب، وتحدث في أكثر من مناسبة عن رغبته في رؤية بعض هؤلاء اللاعبين قريباً في المنتخب الأول.

هذا التوجه يعكس وعياً جديداً في الإدارة الرياضية المغربية، حيث لم يعد الهدف فقط هو الفوز بل بناء جيل مستمر. فالفوز بكأس العالم تحت عشرين سنة يجب أن يكون بداية لعهد جديد، لا خاتمة لقصة جميلة.

أثر الإنجاز على المجتمع والشباب المغربي

من المدهش أن تأثير هذا الانتصار لم يقتصر على كرة القدم، بل تعداه إلى المجتمع بأسره. في المدارس والأحياء والشوارع، عاد الأطفال يلعبون الكرة بشغف أكبر. أصبح حلمهم واضحاً: أن يصبحوا مثل أولئك الشباب الذين رفعوا الكأس باسم المغرب.

هذا الأثر النفسي والاجتماعي مهم جداً. فحين يرى الطفل نموذجاً ناجحاً قريباً منه في السنّ، يشعر أن النجاح ممكن. لقد أعاد هؤلاء اللاعبون الثقة إلى جيل بأكمله، وأثبتوا أن الطريق إلى العالمية يبدأ من الانضباط والإصرار، لا من الحظ.

حتى الأسر المغربية تغيّر تعاملها مع فكرة احتراف أبنائها لكرة القدم. في الماضي، كان كثيرون يعتبرونها مغامرة غير مضمونة، لكن بعد ما رأوه من احترافية في التكوين ومن دعم رسمي ومؤسساتي، أصبحوا يشجعون أبناءهم على المضي في هذا المسار.

بصراحة، هذا التغير في نظرة المجتمع هو مكسب كبير لا يقل أهمية عن الكأس نفسها، لأنه يخلق قاعدة بشرية تؤمن بأن الرياضة ليست ترفاً بل وسيلة لبناء الإنسان والوطن.

الدروس المستخلصة للمستقبل

حين نراجع هذه التجربة بتأمل، نجد أنها مليئة بالدروس. أولها أن النجاح يحتاج إلى رؤية واضحة وصبر طويل. لا يمكن بناء منتخب قوي في سنة أو سنتين، بل عبر منظومة تمتد من الأكاديميات إلى المنتخبات الوطنية.

الدرس الثاني هو أن الانتماء لا يُشترى، بل يُغرس. اللاعب المغربي اليوم يلعب بروح، لأنه يشعر بأن بلاده تستثمر فيه وتثق به. هذا الارتباط العاطفي هو الذي يصنع الفارق في اللحظات الحاسمة.

أما الدرس الثالث فهو أن الانفتاح لا يعني الذوبان. المغرب استفاد من أوروبا، لكنه احتفظ بهويته. لعب بأسلوب حديث، نعم، لكنه ظلّ مخلصاً لروحه الإفريقية ولموهبته الفطرية. هذا التوازن بين الحداثة والأصالة هو سرّ نجاح التجربة المغربية.

من ناحية أخرى، أعتقد أن التجربة أثبتت أن الرياضة يمكن أن تكون مختبراً للتنمية. ما جرى في كرة القدم يمكن أن يُطبّق في قطاعات أخرى: التعليم، الابتكار، الثقافة. كلّها مجالات تحتاج إلى نفس الروح، إلى شغف وطموح وتخطيط بعيد المدى.

بين الحلم والواقع

في لحظة رفع الكأس، لم تكن دموع اللاعبين دموع فوز فحسب، بل دموع تعب وسنين من الإيمان. كانت لحظة تختصر معنى الوطنية حين تمتزج بالعزيمة. كثيرون ربما لم يلاحظوا التفاصيل الصغيرة، كالعناق بين اللاعبين والمدربين، أو نظرة الفخر في أعين الطاقم الفني، لكنها كانت بالنسبة لي أقوى من أي مشهد آخر.

الغريب في الأمر أن كلّ من تحدّثت إليهم بعد الفوز قالوا الشيء نفسه: “لم نكن نفكر في أنفسنا، كنا نفكر في المغرب.” هذا الإحساس الجماعي بالانتماء جعل النصر يبدو وكأنه عرس وطني، لا مجرد بطولة رياضية.

من ناحية أخرى، كان واضحاً أن هذا الجيل جاء ليقول للعالم إن المغرب لم يعد بلداً يفرّخ المواهب التي تتبعثر، بل دولة تصنع أبطالاً يبقون ويؤسسون لمرحلة جديدة. وهذا هو المعنى الحقيقي للإنجاز.

 حين يصنع الإيمان طريقه

حين أعود إلى الوراء وأتذكر بداياتي كمحب لكرة القدم، لم أكن أتصور أن يأتي يوم نرى فيه منتخباً شاباً مغربياً يرفع كأس العالم. لكن ما حدث جعلني أؤمن أن لا شيء مستحيل حين تتوفر الإرادة والرؤية.

لقد جمع هذا الجيل بين الشغف والتكوين، بين الحلم والعمل، بين حب الوطن والانفتاح على العالم. لم ينتظروا أن يُعطوا فرصة، بل صنعوها بأنفسهم. وحين سنحت لهم اللحظة، كانوا في الموعد، بوجه مشرف وأداء يليق بالمغرب.

المدهش أن ما تحقق ليس النهاية، بل بداية قصة جديدة تُكتب الآن في الأكاديميات، وفي شوارع الدار البيضاء، وفي ملاعب طنجة ومراكش وأكادير. هناك آلاف الأطفال الذين رأوا ما حدث، وقرروا أن يكونوا هم الجيل القادم من الأبطال.

من ناحية أخرى، هذا الفوز لم يكن فقط انتصاراً رياضياً، بل انتصاراً للروح المغربية التي لا تعرف الاستسلام، والتي تحوّل الحلم إلى مشروع، والمستحيل إلى واقع.

وبين كل هذه المشاعر، يبقى شيء واحد أكيد: أن كرة القدم ليست مجرد لعبة في المغرب، إنها مرآةٌ لبلد يؤمن بشبابه، ويؤمن أن الإيمان حين يقترن بالعمل، يصنع المعجزات.

تعليقات